مدونة

  •  العجلة فطرة خِلقيّة أصيلة في الانسان.

    توضح دراسات في علم الأعصاب وعلم النفس التطوري أن العجلة ليست مجرد سلوك طارئ في النفس البشرية، بل هي ميل فطري متجذر في التكوين البيولوجي والعصبي للإنسان. فسرعة الاستجابة آلية عصبية مهيأة للتعامل مع المواقف المفاجئة، لذلك لا ينبغي النظر إلى العجلة بوصفها عيبا مطلقا، بل طاقة فطرية تحتاج إلى تهذيب وتوجيه حتى تتحول إلى سرعة واعية ومنضبطة.

    علميا ترتبط العجلة بغريزة البقاء، فالتفاعل الفوري مع المواقف المفاجئة يمنح الإنسان قدرة على التصرف عندما يكون التأخر مكلفًا، ويؤدي الجهاز العصبي السمبثاوي دورا مركزيا في هذه الاستجابة ، إذ يزيد معدل ضربات القلب، ويرفع ضغط الدم، ويوسع الشعب الهوائية، وينشط الغدد العرقية، بالتزامن مع إفراز هرمونات مثل الأدرينالين والكورتيزول، التي ترفع اليقظة وتُسرّع اتخاذ القرار.

    وتشير الأبحاث العلمية إلى أن الاندفاعية تتصل بآليات عصبية محددة، من بينها نشاط الدوبامين بوصفه ناقلا عصبيا مؤثرا في تفضيل المكافآت الفورية. وقد بينت الدراسات أن اختلاف نشاط الدوبامين في مناطق مثل العقد القاعدية في الدماغ يؤثر في ميل الإنسان إلى اختيار النتائج السريعة. كما ترتبط الاندفاعية بشبكات عصبية مسؤولة عن التقييم والتحكم، مما يجعل درجاتها متفاوتة بين الأفراد بصورة طبيعية.

    كما أن القشرة الجبهية الأمامية في الدماغ، وهي المنطقة المرتبطة بالضبط والتخطيط، لا يكتمل نضجها إلا في منتصف العشرينيات تقريبا، لذلك تبدو العجلة أكثر وضوحًا في المراحل المبكرة من العمر، ثم تميل إلى الانخفاض مع النضج والخبرة. ومع أن السمات الشخصية، مثل اليقظة والتنظيم الذاتي، تؤثر في مستوى الاندفاع، فإن مقدار العجلة يبقى جزءاَ من التنوع الطبيعي بين البشر.

    وتمنح العجلة الإنسان قدرة على الحسم في المواقف الطارئة، وقد تسهم في الإبداع والجرأة واتخاذ القرار عندما يكون التردد غير مجدٍ. غير أن قيمتها الحقيقية تظهر حين تقترن بالوعي وحسن التقدير، فتتحول من اندفاع غير محسوب إلى استجابة سريعة ومناسبة.

    ورغم أن العجلة ميل فطري أصيل، فإن تهذيبها ضروري، ويمكن تحقيق ذلك عبر الوعي الذاتي، والتدريب على التفكير في العواقب، وممارسة استراتيجيات تأجيل الإشباع، وقد دعمت هذا الاتجاه تجارب ودراسات وأبحاث وبرامج تدريبية أظهرت أن الإنسان قادر على توجيه اندفاعه وتحويله إلى سلوك أكثر اتزانًا.

    ومن ذلك يتبين أن العجلة طاقة فطرية تؤكدها الشواهد العلمية والتكوين البيولوجي، ولها وظائف نافعة في سياقات متعددة، لكنها تحتاج إلى تهذيب مستمر حتى لا تتحول إلى تسرّع مؤذٍ أو قرار غير محسوب.

    قال تعالى: ﴿خُلِقَ الإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَيَدْعُ الإِنسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الإِنسَانُ عَجُولًا﴾، فالإنسان خُلق عًجولا، والعجلة من طبعه، وصفة من صفاته الجِبِلّية، وإحدى القوى التي رُكِّب عليها، يُؤثر العاجِلَ وإن قَلَّ على الآجِل وإن عَظم وجَلَّ، ولذلك ذُمَّت العجلةُ وكان على الإنسانِ أن يغالِبَ نفسَه وطبعَه، ويتَّصِفَ بالتُّؤدَة والأناة.

  • تأملات قرآنية:5- السبات.

    وردت كلمة سبات في القرآن الكريم في موضعين: قوله تعالى (وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا)، وقوله تعالى (وجعلنا نومكم سباتا). وعند التأمل في هذا اللفظ ندرك أنه يصف نوعا خاصا من النوم أنعم الله سبحانه وتعالى به على عباده، فهو ليس وصفا للنوم في عمومه، بل تعبير يرسم صورة لحالة مثالية منه، فالنوم نعمة ذكرها الله في قوله تعالى (ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله)، وفي الآيتين السابقتين يذكر سبحانه نعمته بأن جعل هذا النوم سباتا.

    ويرى أكثر المفسرين أن السبات هو الراحة من تعب العمل بالنهار، لأن النوم يقطع العمل النهاري فينقطع معه التعب وتتحقق الراحة. غير أن كلمة سبات تحمل معاني أوسع من مجرد الراحة المتحققة بعد الانقطاع عن العمل، فقد ورد في عدد من المعاجم أن كلمة سبات لا تعني الراحة، وأن الجذر اللغوي يدور حول معنى القطع والفصل، ومن معانيه أيضا التمدد، فيقال سبتت المرأة شعرها إذا حلته وأرسلته، ويقال رجل مسبوت الخلق أي ممدود. والعرب تسمي سير الإبل اللين السهل سَبْتا، وتسمى النعال الناعمة اللينة سِبْتا. ومن مجموع هذه الدلالات يتبين أن كلمة سبات تجمع معاني القطع والتمدد والليونة والانبساط، وهي معان أوسع من مجرد الانقطاع والراحة.

    وإذا نظرنا إلى الحقائق التي كشفها علم وظائف الأعضاء(الفيزيولوجيا)، وأكدها العلماء المختصون، نجد أن جسم الإنسان يدخل أثناء النوم سلسلة من العمليات الحيوية الدقيقة، منها عملية التنظيف (الغليمفاوي)، وهو نظام طبيعي للتخلص من الفضلات والسموم والبروتينات الضارة في الدماغ. وتحدث هذه العملية أثناء النوم العميق، حيث تتوسع الفراغات بين الخلايا العصبية ، وتتمدد بنسبة قد تصل إلى ستين بالمئة، مما يسمح بتدفق السائل النخاعي بقوة أكبر ليغسل الفضلات المتراكمة ومنتجات الأيض الضارة.

    وفي أثناء النوم الليلي العميق ترتخي العضلات وتهدأ الأعصاب، ويعاد توازن النواقل العصبية التي اختلت أثناء اليقظة، وتصلح الخلايا التالفة، ويتجدد مخزون الطاقة على مستوى الأنسجة. كما يفرز الجسم في هذه المرحلة هرمونات ضرورية لتقوية الجهاز المناعي وترسيخ الذاكرة. وكل هذه الفوائد لا تتحقق بصورة كاملة إلا عندما يكون النوم عميقا حقيقيا (سبات) يسمح لأعضاء الجسم بأداء وظائفها على النحو الأمثل لتستمر دورة الحياة.

    ولهذا كانت كلمة السبات هي الكلمة الوحيدة التي تستوعب كل ما يتأتى من النوم الجيد، فهي تشمل القطع الذي يفرضه الله على الإنسان قسرا عندما يغشاه النوم ليحميه من الإرهاق المستمر، وتشمل الاسترخاء والتمدد الذي يحدث في الأنسجة والفراغات بين الخلايا العصبية، وتشمل كذلك العمليات التي تسمح بالتجديد والصيانة لأجزاء حساسة من الجسم، بما فيها التنظيف العميق للدماغ واستعادة التوازن الكيميائي والطاقي. ولذلك فإن النوم (السبات) نعمة كبيرة أنعم الله بها علينا وامتن بأن وهبنا إياها. (وجعلنا نومكم سباتا) صدق الله العظيم.

  • التدهور المعرفي .

    تبلغ القدراتُ المعرفيةُ لدى الإنسان السويّ ذروتَها في سنّ الثلاثين، وإن لم يحافظ عليها ويُنَمِّها أصيب بما يُسمّى التدهورَ المعرفي؛ وهو اضطراب يبدأ ببطء في الثلاثينيات أو الأربعينيات من العمر، ويتطوّر بصمت على مدى عقود، على هيئة فقدانٍ تدريجيّ لمهارات التفكير، وضعفٍ في القدرة على التذكّر، وتشتّتٍ في الانتباه، وخللٍ في حلّ المشكلات، وبطءٍ في استيعاب المعلومات. ويُعدّ هذا التدهور أحد أبرز المسبّبات المؤدية إلى مرض الزهايمر، المسؤول عن نحو 80% من حالات الخرف.

    ومن الخطأ الاعتقادُ بأنّ الخرف لا يصيب إلا كبار السن؛ فالتغيّرات الدماغية قد تبدأ مبكرًا لدى بعض الأشخاص بعد سنّ الأربعين، خاصةً إذا قلّ التحفيز الذهني وضعفت العناية بصحة الدماغ. ويمكن تقليل خطر الوقوع في هذه الدوّامة باتباع عادات تحافظ على صحة الدماغ، وتُبقيه نشطًا متيقظًا قادرًا على أداء وظائفه على أحسن وجه. ومن أهم هذه العادات:

    1- تنشيط الدماغ بانتظام.

    وأفضل وسائل التنشيط وأسهلها القراءة، فالواجب أن نقرأ بانتظام، ونناقش أفكارًا عميقة تُحفّز العقل، ونسعى الى تعلّم ما هو جديد، ونُحدث معلوماتنا بانتظام، والا فسوف نصبح عرضة للتدهور المعرفي، وهو المرحلة المبكرة التي تسبق الزهايمر. وتظهر أعراضه التي قد لا نشعر بها، لكن من حولنا يلاحظونها علينا: بُطئًا في التفكير، وسوءًا في التقدير، وضعفًا في تقييم الأمور، وصعوبة في التركيز، وارتباكًا في اتخاذ القرارات.  

    قال تعالى: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ. خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ. اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ. الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ. عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ صدق الله العظيم.

    2- تجنّب آفات تثبيط التفكير.

    الدماغ عضو شديد الحساسية، ويحتاج إلى حماية مستمرة. ومن أكثر ما يضرّه المدخلات الهابطة وإشغاله بأمور تافهة. ومن أسوأ ما يعانيه الجيل الحديث الإفراطُ في متابعة المحتوى القصير والسريع الذي تقدّمه بعض المنصّات؛ إذ تشير الدراسات إلى أن الاستهلاك المفرط لهذا النوع من المحتوى يُضعف القدرة على التركيز، ويقلّل من مهارات التفكير العميق واكتساب المعرفة، مما يفتح الباب لدوّامة التدهور المعرفي. ومثل ذلك مجالسةُ قاصري التفكير، ممّن لا تُنمّي مُجالسَتهم المداركَ ولا توسّع آفاق العقل.

    3- العناية بصحة الدماغ وتنظيفه يوميًا.

    كانت فكرة تنظيف الدماغ تبدو غريبة في السابق، لكن الأبحاث الحديثة أثبتت وجود نظام يعمل أثناء النوم يقوم بطرد السموم والفضلات من الدماغ، ومن أهمها بروتينات الأميلويد بيتا وتاو المرتبطة بمرض الزهايمر.

    وينشط هذا النظام بكفاءة أثناء نوم الليل؛ ففي هذا الوقت تتّسع قنوات الدماغ، فيزداد تدفّق السائل الدماغي النخاعي، ويصبح الدماغ أقدر على التخلص من الفضلات.

    أما الحرمان المزمن من النوم فيُبطئ هذه العملية بشكل واضح، ولا يُعوَّض أثره بسهولة، حتى لو نِمنا ساعات كافية في الليلة التالية.

    قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا﴾ صدق الله العظيم.

    Vintage doll head with mechanical crown featuring gears and a glowing tube in a cluttered workshop
    A vintage doll head adorned with a glowing mechanical crown in a workshop
  • دقق فيما تقرأ و تحقق مما تسمع .

    مما يلفت النظر بعض ما نطلع عليه في صفحات الإنترنت وفي وسائل التواصل المقروءة والمرئية، عندما تُنسَب أقوال إلى مراجع علمية أو شخصيات موثوقة.

    ويساورنا الشكّ حول صحة ذلك، اما لغرابة الأسلوب، أو شذوذ المعنى عن المعلوم والمألوف مما نراه لا يليق بمقام من نسب اليه القول أو نقل منه المقال.

      فإذا تتبّعنا الموضوع، يتكشّف لنا أحيانا أن الخلل وقع اما بسبب نقل مبتورٍعن سياقه، أو تلخيص أفسد المعنى، أو نسبة قول إلى غير قائله، أو يكون مكذوبا ًمن أساسه وهذه الأخطاء والافْتِئَاتات كثيرة ولافتة للنظر وربما نصادف بعضها في مطالعاتنا يوميا مما يستدعي الحذر منها.

    وابن خلدون على سبيل المثال ضحية هذه الأخطاء والتزوير وقد وجدْت كثيراً من الأقوال نُسبت إليه وهو لم يقلها، كما حُرّفت عباراته في غير موضع.

     ومن ذلك ما شاع في فضاء الإنترنت من مقولات منسوبة له مثل: (الطغاة يجلبون الغزاة) والقول: (لو خُيّرت بين زوال الطغاة أو زوال العبيد الى آخره…)وكذلك مقولة : (عندما تنهار الدول يكثر المنجّمون والمتسولون… ) والقول: (اتباع التقاليد لا يعني أن الأموات أحياء، بل إن الأحياء أموات).

     هذه الأقوال نجدها منسوبة لابن خلدون وربما غيرها كثير، ولا نجد لها أصل في كتبه المطبوعة والموجودة بين أيدينا، إنما هي عبارات حديثة الصياغة، تُشبه لغة المقالات الحديثة الموجهة، لا لغة القرن الثامن الهجري، وأسلوب ابن خلدون الذي يقوم على العبارة المحكمة والتحليل المتدرّج، والتسبيب الدقيق..

     ينتهز البعض رغبة القارئ المعاصر في المعلومة السريعة المختصرة، فيمرّرون عَبْرها ما شاءوا من الأكاذيب، تحقيقًا لأغراض في نفوسهم. وأقلّ ما ينبغي للقارئ – إن لم تكن لديه مقدرة على التدقيق والتحقيق – أن يمتنع عن إعادة نشر هذه الأقوال، وألّا يكون مطيّة للكاذبين والمُدلِّسين.  

  • أزنى من قرد.

    العرب يزعمون أن القردَ أزنى الحيوان، ولذلك يضربون به المثل فيقولون: (أزنى من قِرْد).

    ولكن هل ساوركم الشك في مدلول هذا المثل؟ فالبهائمُ تتزاوج فيما بينها، ولا غرابة في ذلك، فلماذا تُوصَم القرود بهذا الفعل دون غيرها؟

    قرأتُ خبرًا عن دراسة قديمة أُجريت على قرود البابون في المملكة، شملت فحصًا دقيقًا لسلوكيات مجتمعاتها، وأنماط حياتها الاجتماعية، ونظامها الأسري، وتحليلًا لجيناتها بتقنيات فحص الـDNA الحديثة، وذلك في سياق الجهود المبذولة للحد من أعدادها.

    وقد جاء في الخبر أن نتائج الفحص الوراثي شكّلت صدمة عند نشرها في المجلات العلمية؛ إذ أثبتت أن ثلاثة عشر من ستة عشر قردًا رضيعًا داخل الأسرة لا تنتمي الى آبائها وهو خلاف ما كان يُظنّ من أن الإناث لا تتزاوج إلا مع ذكرها، وتظل مرتبطة به ارتباطًا دائمًا لسنوات.

    ويبدو أن ملاحظة العرب كانت أدقّ مما يُظَنّ..

  • زادُ الرَّكْبِ:

    Medieval knights in armor riding horses with black flags in a desert setting
    A group of medieval knights on horseback charges across a dry landscape carrying black flags.

    جاء في تاج العروس من جواهر القاموس لمرتضى الزبيدي،تحت كلمة زود (ومن المجاز هو زاد الرَّكْب، وأَزْوادُ الرَّكْبِ لقبُ ثلاثة من قُريش: مُسَافِرُ بنُ أَبي عَمْرو بنِ أُمَيَّة، وزَمْعَةُ بنُ الأَسْودِ بن المطَّلب بن أَسَدِ بن عبد العُزَّى بن قُصَيٍّ، وأَبو أُمَيَّةَ بنُ المُغِيرَةِ بنِ عبد اللَّه بنِ عَمْرو بن مَخزوم والد أُمِّ المؤمنين أُمِّ سَلَمَةَ رضي اللَّه عنها، سُمُّوا بذلك لأَنه   –وفي نسخة لأَنهم- لم يَكُنْ يَتَزَوَّدُ معهم أَحدٌ في سَفَر، يُطْعمونه ويَكْفُونه الزَّادَ ويُغْنُونه، وذلك خُلُقٌ من أَخْلاقِ قُريش، ولَكِن لم يُسَمَّ بهذا الاسم غيرُ هؤلاءِ الثلاثةِ. )

    قلت: بل سمي-لقب- بهذا الاسم-اللقب- سيد من سَادَة قريش، هو الصحابيُّ الجليلُ عِياضُ بنُ غَنْمٍ الفِهْرِيُّ القُرَشيُّ (رحمه الله) تُوفِّي سنةَ عشرينَ للهجرة. أسلم قبل صلح الحديبية وشهدها، وشهد كذلك بدرًا وأُحدًا والخندقَ وما بعدها من المشاهد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

    أرسله الخليفةُ أبو بكر الصديق رضي الله عنه لفتح العراق، فعمل تحت قيادة خالد بن الوليد في العراق، ثم انتقل معه إلى الشام في حروب الروم. وكان مع أبي عبيدة بن الجراح رضي الله عنهما في فتح شمال سوريا، ويُنسَب إليه فتحُ حلب وإعزاز، وشهد معركة اليرموك وكان أحد قادتها الخمسة. ثم فتح بلاد الجزيرة في أيام الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

    وكان يُلقَّب (زادَ الرَّكْب)، وهو لقبٌ لم يُمنَح إلا لِقلّة من كرماء العرب؛ لا يُوصَف به إلا كريمٌ جوادٌ تتغنَّى الركبانُ بكرمه، وتُروى قصصُ جوده وعطائه.

    وقد تجاوز كرمه حدودَ داره إلى مجال أسفاره؛ فما كان يدع أحدًا ممن يسافر بصحبته أو يرافقه في دروبِه — وما أكثرها — يحمل زادًا أو يتكلَّف طعامًا، بل تكفَّل بكل ذلك حتى حاز شرفَ هذا اللقب، فأصبح لصيقًا باسمه يُعرَفُ به.

    رحم الله عبده زادَ الرَّكْب عِياضًا.

  • للمتقاعدين :

    Elderly men playing chess and drinking coffee in a traditional Middle Eastern café with stone walls and large windows.
    A group of elderly men enjoy coffee and a chess game in a lively café.

    تأمّلتُ جانبًا من سلوكي، وهو جانب يشترك فيه كثيرون، امتدَّ معي منذ سنوات الدراسة والتحصيل العلمي، واستمرَّ طوال مرحلة العمل.

    إنّه جانب الاهتمام الشديد والتحفّز الدائم، والاستغراق في التفكير، والتعمّق في كل ما يُعدّ ذا بالٍ في شؤون الحياة ، مع الاستعداد لكل طارئ، والتحسّب لكل احتمال. ويمتدّ هذا الاهتمام، بشكل أو بآخر، إلى الشأن العام ومتابعة الأحداث، وما يصاحب ذلك من توتّر وقلق.

    والقليل منّا مَن لا تعتريه مشاعر القلق والتوتّر الناتجة عن المبالغة في الاهتمام والاستعداد لكل أمر. وهذا أمر طبيعي في سياق السعي إلى النجاح؛ فبقدر الاهتمام يكون تحقيق الأهداف في مختلف مناحي الحياة. غير أنّ الشخص السويّ هو الذي يستطيع التحكّم في هذا السلوك، وموازنة الأمور، وضبط حدود القلق بحيث لا يتحوّل إلى عبء دائم.

    ويبقى السؤال المهم: إلى متى ينبغي أن يصاحبنا هذا السلوك؟ وإلى أيّ مرحلة عمرية يمكن للإنسان أن يتحمّل تبعاته؟

    أرى أنّ هذا السلوك لا بدّ أن يُضبط بحدٍّ زمني في حياة الفرد، فلا يستمرّ دون مراجعتة.وفي مرحلة من مراحل العمر المتأخرة ، ينبغي للإنسان أن يكون قد روّض هذا السلوك وعدّله .

    أمّا المتقاعدون بعد سنّ الستين، فهذه مرحلة التخفيف من هذا النمط من السلوك، والتدرّج في تركه؛ لأنّ للسنّ أحكامه، ولهذه المرحلة طاقتها المحدودة، وللنفس حاجتها إلى السكينة بعد عقود من الاستنفار.

      سَهِرَت أَعيِنٌ وَنامَت عُيونُ * في أُمورٍ تَكونُ أَو لا تَكونُ.

    إِنَّ رَبّاً كَفاكَ بِالأَمسِ ماكا * نَ سَيَكفيكَ في غَدٍ ما يَكونُ.

  • ( وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ)

    Man in traditional clothing picking ripe dates from palm trees in an oasis
    A man harvesting ripe dates from palm trees in a lush desert oasis

    في جلسةٍ خاصة، ذكر أحد الحضور أنه اطّلع على وثيقةِ وصيّةٍ قديمة يوصي فيها صاحبُها بثمرِ بعض نخيله لِلَّاعين. وبيّن أن اللاعين – في ذلك الزمن، قبل نحو مئتي سنة أو أكثر – هم أناسٌ كان يبلغ بهم الجوع حدَّ التَّضوُّر والصياح والبكاء من شدّته.

    وكانت هناك غرفةٌ ملحقة بالمسجد يُخزَّن فيها تمرٌ لا يُعطى منه أحدٌ شيئًا إلا إذا بلغ مرحلةً يصبح فيها الطعامُ بمثابة الدواء لإنقاذ روحه.

    وقد بحثت لاحقا فوجدتُ مقالًا في جريدة الرياض تحدّث عن كلمة (لاعي) مع كلمات أخرى منسية، وأنها وردت في كثير من وصايا أهل الخير في نجد، ولا سيما في وصايا أوقاف أهل أشيقر. وجاء في المقال أن اللاعي هو الذي يصرخ في القرية نصف الليل من شدّة الجوع، وقد يصرخ قبل الفجر أو بعد صلاة العشاء مباشرة، وهو متلثّم حتى لا يُعرَف، وصراخه إمّا لجوعه الشديد أو لجوع أطفاله، فيعطيه أهل القرية ما يجدون، وأكثرهم كانوا فقراء أصلًا.

    ثم رجعتُ إلى المعاجم فوجدتُ ما يلي:

    لَعْوَةُ الجوع: حدّتُه وشدّته.

    لاعَ الجوعُ فلانًا: أحرقه وآلمه.

    فاللَّاعِين: الذين بلغ بهم الجوع حدّ التلوّي والصياح والاضطراب.

    وقال الليث: يقال: كلبةٌ لَعْوةٌ، وذئبةٌ لَعْوةٌ، وامرأةٌ لَعْوةٌ؛ أي الحريصةُ التي تُقاتل على ما يُؤكل، والجمع اللَّعَوات.

    ويقال أيضًا: وما بالدارِ لاعي قَرْوٍ، أي ما بها أحد، ومعناه: ما بها من يلحس عُسًّا.

    والقَرْو: الإناء الصغير وحكى ابن بري عن أبي عمر الزاهد أن القَرْو مِيلَغةُ الكلب. قلتُ: صدق أبو عمر الزاهد؛ فنحن بعد ألف عامٍ من وفاته لا نعرف اسمًا للإناء الذي يوضع فيه طعام الكلب إلا القَرْو.

  • الناس كالإبل…

    Herd of camels in a desert valley at sunset with riders on horseback
    A vast herd of camels moves across a desert landscape at sunset with riders guiding them.

    إذا تأمّل المرءُ فيمن يُخالطهم في تعاملاته اليومية، أو يجمعه بهم جوارٌ لصيق، أو يُصاحبهم في رحلاتٍ طويلة، أو غير ذلك مما يُمتحَن به معدنُ الرجال، أدركَ ندرةَ الذين يُعوَّل عليهم، ويُطمأنُّ إلى أمانتهم، وطيبِ معدنهم، وحسنِ وفائهم، وصدقِ ودّهم، وثباتِهم عند تقلّب الأحوال.

    وقد أبان النبي ﷺ هذه الحقيقة في الحديث الشريف: «إنما الناس كالإبل المئة، لا تكاد تجد فيها راحلة». فالإبلُ وإن كثرت وتعدّدت أصنافُها، فإن الراحلةَ النجيبةَ القويةَ القادرةَ على التحمّل، الصبورةَ على قطع المفاوز، قليلةٌ نادرة.

    وكذلك الناس: قد تختبر منهم المئات، غير أنّ من تستقيم سريرته، وتصفو طويته، وتثبت عند الشدائد عزيمته، وتطمئنّ النفسُ إلى وفائه، قليلٌ نادرٌ كندرة وجود الراحلة في القطيع.

    ومن المعلوم أنّه لا يكاد يجتمع الكمالُ المطلق في أحدٍ من الخلق؛ فلكلِّ صارمٍ نَبْوَة، ولكلِّ جوادٍ كَبْوَة، ولكلِّ إنسانٍ هَفْوَة.

    ولكن سبيلَ العقلاء هو السدادُ والمقاربة، ولا بدّ من الإغضاء عن اليسير فيمن عُرف باستقامته، وحسنِ نيّته، وصفاءِ سريرته، وطيبِ طويته.

    وقد قال الشاعر قديمًا: وَلَسْتَ بِمُسْتَبْقٍ أَخًا لا تَلُومُهُ * عَلَى شَعَثٍ، أَيُّ الرِّجَالِ المُهَذَّبُ؟

  • أصحاب الفكر المستقل .

    Elderly man with gray beard and turban sitting in a market with textiles and spices behind him
    An elderly man in traditional clothing sitting in a bustling market corridor

    سبق أن ذكرتُ أن في كلّ مجتمع أناسًا — وقد يكون أحدهم بيننا — يمتلكون ميزة نادرة لا توجد عند أغلب الناس، إذ يتصرّفون وفق قناعاتهم في معظم شؤون الحياة، ولا يتأثرون بالفكر السائد ما لم يقتنعوا به. وقد سَمَّيْتُهُم أصحاب الفكر المستقل.

    العتّابي، واسمه كلثوم التغلبي، من أسرة ذات شرف ورفعة، يمتدّ نسبه إلى عمرو بن كلثوم صاحب المعلّقة وسيّد تغلب وشاعرها، كان سريع البديهة في المنظوم والمنثور، حسن العقل والتمييز. و العرب تقول : من تمنّى رجلًا حسن العقل، حسن البيان، حسن العلم، فقد تمنّى شيئًا عسيرًا، وقد اجتمع ذلك كلّه للعتّابي.

    وكان من جلساء الخليفة هارون الرشيد، ومع ذلك ظلّ منصرفًا عن المادة، زاهدًا فيها، ولم يمدّ عينيه إلى ما في أيدي البرامكة من مال، ولا إلى عطاياهم السخيّة، رغم قربهم منه. ولم يكن يبالي بملبسه وهيئته كما كان يفعل من يحضر مجلس الخليفة ، فعاتبه يحيى بن خالد البرمكي-مربي الرشيد والمتصرف في ادارة شؤون قصر الخلافة- على مظهره فأجابه العتّابي قائلًا:

    أبعدَ الله رجلًا همّه أن يكون جماله في لباسه وعطره؛ فإنما ذلك حظّ النساء وأهل الأهواء. إنما يرفعه أكبراه: همّته ولبّه، ويعلو به معظماه: لسانه وقلبه.

    رحمه الله، فقد كان من أصحاب الفكر الاستقلالي في اللباس والهيئة يلبس ما يرتاح اليه لا ما يعجب الآخرين.

     وله قصة أخرى تظهر منها شخصيته المستقلة، سأوردها لكم في مشاركة قادمة إن شاء الله تعالى، وسلامتكم.