مدونة

  • لن يخيّب الله مسعى أمة هذا دأبها.

    شاهدتُ الليلة الماضية مناظر نُشرت على الإنترنت للصلاة في الحرمين الشريفين، فرأيت – كما رأيتم – تلك الحشود الهائلة التي تجمعت في أمن وأمان، تحرسها عناية الرحمن. ورأيت المشهد ذاته في عدد من المساجد في مدن المملكة، من غربها إلى شرقها، ومن شمالها إلى جنوبها؛ حشودًا جمعتها عقيدة الإيمان، وعلتها سكينة الخشوع لله رب العالمين، تجمعت في طمأنينة، وغادرت في هدوء وخضوع. أولئك هم عباد الرحمن: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾. صدق الله العظيم.

     لقد بُذلت جهود مضنية من الجهات الرسمية لتنظيم هذه الحشود وإرشادها ومتابعتها، وسبق ذلك إنفاق كبير على مدى عقود لتأمين راحتهم وسلامتهم. وتذكرتُ مقالة الدكتور عبد العزيز الخويطر – رحمه الله – فحواها أن الأمم والدول كالأفراد: لها أعمال تُسجَّل، ولها صحيفة تُملأ بما تفعل، وتُحاسب على ما قدمت، فالدول ليست مجرد مؤسسات، بل لها شخصية معنوية، ومسار، ونتائج، وميزان أعمال. والعدالة الإلهية قائمة لا تتبدل، والتاريخ – بوصفه سجلاً – يدون تلك الأعمال ويشهد لها أو عليها.

    وعندما نتأمل جهود بلادنا في خدمة الحرمين الشريفين، ورعاية الوافدين للحج والعمرة، وخدمة المساجد في أنحاء المملكة، وما تقدمه المملكة للإسلام والمسلمين من عون ومساندة في مختلف أصقاع الأرض، وما تقوم به من خدمة للإنسانية عمومًا – وعلى سبيل المثال لا الحصر: البرنامج السعودي لفصل التوائم الملتصقة، الذي أجرى عشرات العمليات الناجحة، ففرّج كربًا عن أولئك الضعفاء وذويهم.

    عندما نتأمل كل هذا – وهو غيض من فيض مما تبذله بلادنا من مدّ جسور الخير للبشرية جمعاء، ونشر الفضيلة – لا يسع المرء إلا أن يقول: لن يخيّب الله مسعى أمة هذا دأبها، وسيؤيدها بنصره وتمكينه، ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾. صدق الله العظيم.

  • مناسبة العيد !

    عيدٌ بأيِّ حالٍ عُدتَ يا عيدُ؟

    العيدُ أيّامُ فرحٍ وسرور، وتواصُلٍ وتراحُم، وتجديدٍ للعهد مع النفس والآخرين. فيه تتجلّى المعاني الإنسانية في أبهى صورها؛ يجتمع الناس بعد طول افتراق، وتتصافح الأيدي، وتتصافى القلوب، فتسود روح التسامح، ويزول ما تراكم في الصدور من كدرٍ أو سوء فهم لا تخلو منه الحياة.

    وفي العيد تذكيرٌ حيٌّ بحقّ الأهل والأقرباء والأصحاب والأصدقاء، وفرصةٌ سانحة لمشاركتهم الفرح، وتجديد الصلة بهم، واستحضار قيمة الاجتماع بعد نأي وفرقة.

    وهو وقتٌ لإعادة ترتيب الأولويات؛ يدرك فيه المرء أن السعادة الحقيقية لا تكتمل إلا بقرب مَن يحب، وبمَن يشاركه الفرح والترح. وحين تتوحّد المشاعر، تتجلّى الأُلفة وتقوى اللُحمة، وتسمو الروابط الروحية، وتتوثّق الأواصر الاجتماعية، فينعكس ذلك على الفرد طمأنينةً وراحةً نفسية، وعلى المجتمع تلاحمًا يعزّز تماسكه ويحميه من التفكك.

    وهكذا يظلّ العيد فرصةً ثمينة لتصفية النفوس من كل ما علق بها من إِحَن، ولمّ الشمل بعد تفرّق، واستعادة ما تشتّت من الودّ، وتجديد ما انقطع من الصلات. وبه يقترب الإنسان من ربّه أولًا، ومن نفسه وممّن يأنس بهم ويألفونه. فيجد في العيد مناسبةً لإراحة البدن، وإنعاش الوجدان، وإحياء البصيرة، وتجديد الأمل، ودافعًا للاستمرار في مواجهة قادم الأيام بقلبٍ مطمئن، وروحٍ متفائلة، ونشاطٍ متجدّد.

    بارك الله لكم جميعًا في هذا العيد، وجعله عيدَ خيرٍ وبركةٍ وسعادةٍ ومودّة. وكل عام وأنتم بخير.  

  • ﴿يا بني آدم لا يفتننَّكم الشيطان﴾

    عندما نتابع ما تكشّف في الآونة الأخيرة من أحداث وفضائح في الغرب، وما انطوت عليه من شذوذ وفساد وقبح، ونرى كيف تورط فيها عدد غير قليل من مشاهير العالم وأصحاب النفوذ والقرار، ندرك أننا أمام منظومة تعمل على هدم الأخلاق ونشر الشر.
    فالتفاصيل التي خرجت إلى العلن، وما ظهر من مراكز قذرة تُستدرج إليها شخصيات مؤثرة، تكشف عن شبكة تعمل في الخفاء، تمارس الابتزاز والترغيب والترهيب لتسيطر على مصائر هؤلاء، وتدفعهم إلى اتخاذ قرارات تخدم تلك الدوائر المظلمة.
    وحين نتأمل هذا المشهد كله، تتبدى لنا إجابات لأسئلة طالما حيرتنا ولم نجد لها تفسيرًا مقنعًا من قبل:

    من يقف وراء الدفاع المستميت عن الشذوذ الجنسي؟

    من يشرّع قوانينه ويفرضه على المجتمعات؟

    من يدفع باتجاه التحول الجنسي ويجعله قضية مركزية؟

    ومن يغذي تفكك الأسرة في الغرب ويعمل على تقويض بنيانها؟

    واليوم، بعد أن انكشفت بعض خفايا تلك الشبكات التي تورطت فيها شخصيات نافذة، أصبح بالإمكان فهم كيف تُدار هذه الملفات، ولماذا تُفرض على العالم فرضًا.
    وهكذا، حين نربط بين ما ظهر من فضائح وما يُفرض من قيم منحرفة، تتضح الصورة بوضوح: هناك منظومة كاملة تعمل على إعادة تشكيل الأخلاق، وتوجيه القرار السياسي والاجتماعي، وتطبيع الرذيلة، مستغلة نقاط ضعف بعض من بيدهم السلطة، لتصنع عالمًا يتوافق مع رؤيتها المنحرفة.

    إنه الوجه الحديث للشر، النسخة المعاصرة من فتنة الشيطان التي حذّرنا الله منها، في قوله تعالى: ﴿يا بني آدم لا يفتننَّكم الشيطان﴾ صدق الله العظيم.

  • دارة عصبية في الدماغ ..

    تُعد الاستجابة الشرطية إحدى أقدم النظريات في علم النفس، وقد وضع أسسها الطبيب الروسي إيفان بافلوف عام 1903، كما جاءت الإشارة إليها لدى الفيلسوف أبو حامد الغزالي في كتابه (تهافت الفلاسفة) وتقوم هذه النظرية على أن الكائن الحي يتعلم الربط بين مثير ونتيجة، مما يجعل السلوك لاحقًا استجابة تلقائية لهذا الارتباط.

    وفي خطوة علمية حديثة لفهم آليات الدافعية البشرية على المستوى العصبي، كشف فريق بحثي من جامعة كيوتو اليابانية عن دارة عصبية جديدة قد تفسر سبب صعوبة البدء في المهام أو إنجازها لدى الكثيرين – ما يُعرف عادةً بالكسل أو التراخي – حتى مع وجود رغبة حقيقية في القيام بها. ونُشرت نتائج هذا البحث في مجلة (Current Biology)، وهي مجلة علمية محكمة وتُعد من أبرز المنصات العالمية لنشر الاكتشافات العلمية الرائدة.

    يركز الاكتشاف على دارة عصبية تربط بين منطقتين رئيسيتين في الدماغ تلعبان دورًا أساسيًا في تقييم المكافآت – وهي أي نتيجة إيجابية متوقعة مثل الشعور بالإنجاز أو الفائدة الملموسة – والمخاطر والمثبطات – أي النتائج السلبية المحتملة مثل الفشل أو بذل جهد كبير دون ضمان نجاح -. ويقوم الدماغ بموازنة هذين الجانبين باستمرار قبل اتخاذ قرار أو البدء في مهمة.

     وأظهرت الدراسة أن هذه الدارة تعمل كآلية كبح (فرملة) داخل الدماغ. فمع زيادة نشاطها، يصبح الفرد أقل قدرة على بدء المهام تباطؤ أو تردد وكسل، حتى لو كانت المكافأة المتوقعة كبيرة. وعلى النقيض، يؤدي انخفاض نشاطها إلى ارتفاع الدافعية، وربما إلى اندفاع أو تهور في اتخاذ القرارات. وقد أثبت الباحثون ذلك من خلال تجارب علمية مخبرية دقيقة.

    ويمثل هذا الاكتشاف خطوة هامة نحو فهم أعمق لاضطرابات الدافعية، مثل التردد المزمن، التسويف، وبعض أعراض الاكتئاب أو الفصام أو مرض باركنسون. كما يفتح أبوابًا لتطوير علاجات مستقبلية تستهدف هذه الدارة، مثل التحفيز العميق للدماغ أو الأدوية، لتحسين القدرة على اتخاذ القرارات والبدء في المهام والإنجاز.

    ولا يقدم هذا البحث تفسيرًا بيولوجيًا فحسب، بل يسلط الضوء أيضًا على تفاعل الدماغ مع الضغوط اليومية، وكيف يمكن لآليات عصبية دقيقة أن تحدد ما إذا كنا سنبدأ المهمة الآن أو نؤجلها أو نشطبها نهائيًا من أجندتنا. قال تعالى (ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) صدق الله العظيم.

  • الصحة في الغذاء .

    تمّ في الولايات المتحدة الإعلان عن تحديث للسياسة الغذائية الفيدرالية، وهي مجموعة القوانين واللوائح والبرامج التي تضعها الحكومة المركزية (الفيدرالية) لتوجيه إنتاج الأغذية، وسلامتها، وتوزيعها، واستخداماتها، وحماية المستهلك، وتتضمن جوانب مثل الإرشادات الغذائية، ودعم المزارعين، وبرامج المساعدات الغذائية، والتنظيم الصحي، وتشمل وكالات عديدة مثل وزارتي الزراعة والصحة، وإدارة الغذاء والدواء (FDA).

    وفي خطوة تُعدّ من أبرز عمليات إعادة الهيكلة في تاريخ السياسة الغذائية الفيدرالية، أصدرت الإرشادات الغذائية للأمريكيين   (Dietary Guidelines for Americans 2025–2030)، ووضعت البروتينات عالية الجودة والدهون الصحية ومنتجات الألبان كاملة الدسم في صدارة الهرم الغذائي الجديد، وهو تحول واضح عن التوصيات السابقة التي كانت تمنح الحبوب والكربوهيدرات مساحة أكبر بكثير.

    ويعكس هذا التغيير إعادة ترتيب للأولويات الغذائية، يقوم على تعزيز دور البروتينات (بما فيها المصادر الحيوانية) والدهون المفيدة من مصادر كاملة (مثل اللحوم، الأسماك، البيض، الألبان كاملة الدسم، المكسرات، الزيتون، والأفوكادو) مقابل تقليص الاعتماد على الحبوب المكررة والأطعمة فائقة المعالجة والسكريات المضافة، مع الدعوة الصريحة إلى “تناول الطعام الحقيقي” (eat real food) وتجنب المنتجات المعالجة بشدة.

     وفي سياق متقاطع، كشفت دراسة صينية حديثة، عن نتائج لافتة تشير إلى أن الأشخاص الذين يتبعون نظاماً نباتياً صارماً (خاصة في سن 80 عاماً فما فوق) لديهم احتمالية أقل للوصول إلى سن المئة مقارنة بمن يتناولون نظاماً غذائياً متوازناً يشمل اللحوم (omnivores)، وخصوصاً لدى كبار السن منخفضي الوزن. كما أكدت الدراسة أن تناول الخضروات يومياً يظل ركناً أساسياً لا يمكن الاستغناء عنه في أي نظام غذائي يدعم طول العمر.

    وبذلك تتقاطع الإرشادات الأمريكية الجديدة مع ما توصلت إليه الدراسة الصينية: فكلاهما يشير إلى أهمية الاعتماد المتوازن على البروتينات الحيوانية إلى جانب المصادر النباتية، من الخضروات والفواكه، والحد من الإفراط في الحبوب المكررة أو الأنظمة النباتية الصرفة.

    فهل تكون العودة إلى عاداتنا الغذائية التقليدية في الاعتماد على اللحوم والدهون والبروتينات الحيوانية والفواكه والخضار الطازجة خياراً أكثر ملاءمة للصحة، ولا سيما لصحة كبار السن؟

  • النوم صحة …

    نقرأ ونسمع أبياتًا شعرية وأمثالاً وحكماً تذم النوم، وتستحث همم الشباب على العمل وترك الاسترخاء والراحة، وهذا في الجملة أمر حسن؛ فمن لم تكن له همة وإرادة وعزم على مواصلة العمل في فترة شبابه وقوته، قد يفوته قطار التحصيل والكسب.

    غير أن هذا الخطاب في معظمه موجه إلى الفتيان والشباب، أما أنتم يا معشر الشيوخ الأفاضل، فليس مطلوبًا منكم السهر، ولا يُستحسن لكم لا في عمل ولا في سمر، بل المطلوب منكم ـ لصحتكم وسلامة أبدانكم ـ هو العناية بالنوم، ومراعاة ما يحفظ عافيتكم وقوة إدراككم، وصون تفكيركم من آفات النسيان وتآكل الذاكرة وأعراض الكِبَر.

    تواجه الصين أعدادًا هائلة من المتقدمين في العمر، وقد وضعت برامج خاصة لرعايتهم والحد من التبعات الصحية والاقتصادية المترتبة على تدهور أوضاعهم الصحية، ولديها توجهات جيدة في هذا المجال.

     وقد خلصت دراسة علمية أجرتها باحثون صينيون ونشرتها مجلة آفاق في التغذية (Frontiers in Nutrition) إلى أن مرحلة ما بعد سن التقاعد تحتاج إلى مراقبة دقيقة، ليس فقط من حيث الصحة الجسدية، بل كذلك من حيث القدرات الإدراكية التي قد تتأثر بعوامل بسيطة يغفل عنها كثيرون، مثل جودة النوم.

    وأظهرت نتائج الدراسة، التي شملت قرابة 9000 شخص فوق سن الخامسة والستين، أن جودة النوم تلعب دورًا حاسمًا في حماية الدماغ من التدهور المعرفي إذ تبين أن قلة ساعات النوم ترتبط بزيادة خطر الضعف المعرفي بنسبة تصل إلى ثلاثة أضعاف تقريبًا، بينما يساعد النوم الكافي ـ سبع إلى ثماني ساعات من النوم الجيد ليلًا ـ على خفض التوتر وضبط ضغط الدم، وهو ما ينعكس إيجابًا على صحة الدماغ ويحافظ على كفاءة الوظائف العقلية والإدراكية. شملت الدراسة أهمية تناول أغذية تعزز فيتامينات معينة مثل (ب 6 وب 12) لصحة مستدامة .

  • الشمس… فيضٌ من الطاقة لا يصل منه إلى الأرض إلا اليسير. 

    خلق الله الشمس وأودع فيها طاقة هائلة. ومن فيضها العظيم يصل إلى الأرض جزء ضئيل، جعله الخالق منظمًا لإيقاع الحياة اليومية وحافظًا للتوازن الحيوي. وبدونها لا تستقر حرارة الأرض، ولا تتحرك الرياح، ولا تستمر دورة المياه، ولا تتوافر شروط الحياة. إنها محرّك أساسي لكل المخلوقات: الإنسان والنبات والحيوان وسائر الكائنات.

    ورغم إن الشمس تنتج طاقة هائلة، فان الأرض لا تستقبل الا أقل من واحد من ملياري جزء من تلك الطاقة، وبعد عبور هذا الجزء الغلافَ الجوي، ينعكس نحو 30% منه ويُمتص جزء في الجو، ويصل إلى السطح نحو 48% فقط من الإشعاع الساقط. ومع ذلك، يظل هذا الجزء اليسير كمًّا هائلًا بمقياس حاجاتنا نحن البشر على الأرض.

    تستهلك البشرية اليوم من كل مصادر الطاقة وبجميع أنواعها نحو (20 تيراواط) فقط، أي أقل من (0.021%) من كمية الطاقة الشمسية الواصلة إلى السطح، أما الإمكانات النظرية القابلة للاستغلال على اليابسة فتصل إلى نحو (30,000 تيراواط)، وهي كمية تفوق احتياجاتنا الحالية بأكثر من (1,500) مرة، وتحويل هذا الإمكان إلى واقع يتطلب تقنيات متقدمة، ألواحًا شمسية، ومحطات حرارية، وخلايا متعددة الطبقات، ونوافذ مولدة للطاقة، وحتى محطات فضائية. وفي عام 2024م تجاوزت السعة المركبة عالميًا (2.2 تيراواط)، مع توقعات بتجاوز (3 تيراواط) بنهاية 2026م، وإضافات سنوية متوقعة تقارب (600 جيجاواط). إن الوصول إلى استغلال جزء يسير من هذا الفيض من الطاقة الشمسية سيكون إنجازًا حضاريًا عظيمًا. فما نستخدمه اليوم بداية متواضعة أمام بحر واسع من الإمكانات. ومع تقدم التكنولوجيا، يمكن للبشرية أن تضاعف استغلالها مرات عديدة، وتقترب من مستقبل يعتمد على مصدر طاقة ثابت ووفير. قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ ۖ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ صدق الله العظيم.

  • الملقحات الطبيعية :


    مسألة يظنها البعض صغيرة، لكنها في حقيقتها كبيرة. هناك من يعتقد أن عددًا محدودًا من الأشجار تحتاج إلى التلقيح، والحقيقة أن الخالق سبحانه وتعالى خلق من كل صنف من النبات وغيره زوجين، قال تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾، وقال تعالى : ( سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْواجَ كُلَّها مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ )ولا إنتاج بدون تلقيح. وجهود التلقيح التي يقوم بها المزارعون هي لعدد محدود من النباتات، أما المجهود الكبير فقد هيأ له الخالق منظومة من الملقحات الطبيعية، مكونة من كائنات حية، وعوامل طبيعية، تعمل في صمت، وتقوم بمهمة دقيقة هي نقل اللقاح من أعضاء التذكير إلى أعضاء التأنيث في النباتات، وهذه العملية التي تبدو سهلة هي في حقيقتها العمود الفقري لإنتاج الغذاء في العالم.
    والكائنات الحية المنخرطة في عمليات التلقيح الطبيعي، هي مخلوقات سخّرها الله للقيام بعمليات التلقيح بطرق وأساليب تتناسب مع كل نوع من النباتات. وتشمل أكثر من 20 ألف نوع من النحل، إضافة إلى أعداد كبيرة من أصناف الفراشات والحشرات، والطيور، والخفافيش، وحتى بعض أنواع الذباب والخنافس. ورغم صغر حجم أغلب هذه المخلوقات، فإنها تقوم بمهمة عظيمة، في نقل حبوب اللقاح – بعضها صغيرة لا تكاد ترى بالعين المجردة – وذلك من زهرة إلى أخرى، وهذه العملية تسمح للنباتات بأن تُثمر وتتكاثر وتستمر في دورة الحياة.
    ولا يقتصر التلقيح على الكائنات الحية، بل تشارك الرياح في هذه المهمة، كما قال تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾، ففي كثير من المحاصيل كالقمح والشعير والذرة، تنقل الرياح حبوب اللقاح من الأزهار المذكرة إلى المؤنثة.

    وتشير تقارير منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (FAO) وتقييم المنصة الحكومية الدولية للتنوع البيولوجي وخدمات النظم الإيكولوجية (IPBES)، إلى أن نحو 75% من أنواع المحاصيل الغذائية العالمية تعتمد بدرجات متفاوتة على التلقيح الطبيعي، أما القيمة الاقتصادية السنوية لهذه الخدمة البيئية المجانية فتقدر بما يتراوح بين 235 و577 مليار دولار أمريكي، وهذا يعني أن الإنتاج الزراعي العالمي مهدد بالخطر إذا استمرت هذه الملقحات في التراجع.
    وتحذر أبحاث علمية جامعية وتقارير دولية من أن تراجع الملقحات الطبيعية – نتيجة تصرفات البشر مثل فقدان الموائل، واستخدام المبيدات الحشرية، والتغير المناخي – يهدد الأمن الغذائي العالمي، ويؤثر في جودة المحاصيل، ويعرض سلاسل الإمداد الزراعي لمخاطر كبيرة. كما تشير تقارير صادرة عن جهات تابعة للأمم المتحدة إلى أن نسبة كبيرة من أنواع الملقحات الطبيعية مثل النحل والفراشات مهددة بالانقراض، وأن فقدان الملقحات سيؤدي إلى انخفاض واضح في إنتاج الفواكه والخضروات والمحاصيل.
    الملقِّحاتُ الطبيعية ليست أمورًا ثانوية صغيرة لا تستحق أن نعيرها الاهتمام؛ فهي جنودٌ خفية تساهم في استمرار التنوع والتكامل على الأرض، بما يضمن الحفاظ على التوازن الذي أودعه الخالق فيها.

    ولهذا يذكّرنا القرآن الكريم بأن الزراعة لا تُعدّ محضَ جهدٍ بشري، بل هي تدبيرٌ إلهيٌّ محكم: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ. أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾. صدق الله العظيم.

  • التًآخي .

    الإخاءُ له أصلٌ شرعيٌّ ثابت، قال تعالى: (إنما المؤمنون إخوة)، وقال النبي ﷺ: ( لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه ). وعلى هذا الهدي مضى الصحابة، فكانوا أعرف الناس بقدر الأخوّة؛ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (عليك بإخوان الصدق، تعش في أكنافهم، فإنهم زينة في الرخاء، وعُدَّة في البلاء). فالأخ الصادق قوةٌ تُستمدّ، وذخرٌ يُلجأ إليه عند الشدائد.

    أخاكَ أخاكَ إنَّ من لا أخًا لهُ * كساعٍ إلى الهيجا بغير سلاحِ. 

    وإن ابنَ عمِّ المرءِ فاعلمْ جناحُهُ * وهل ينهضُ البازي بغير جناحِ.

    فالإخاء بابٌ من أبواب الفلاح، وعنوانُ النجاح، وما المرءُ إلا بإخوانه؛ فهو قليلٌ بنفسه، كثيرٌ بهم. والوفاء في الصداقة ميزانُ المروءة، تُعرف به معادن الرجال. والألفةُ والمحبّةُ والإخاءُ ثمرةُ حسن الخلق، والتفرّقُ ثمرةُ سوء الخلق؛ فحسنُ الخلق يجلب التآلفَ والتوافق، وسوءُ الخلق يورث التباغضَ والتحاسدَ والتدابر.

    وما المرءُ إلا بإخوانِهِ * كما تقبضُ الكفُّ بالمعصمِ. 

    ولا خيرَ في الكفِّ مقطوعةً * ولا خيرَ في الساعدِ الأجذمِ.

    فإذا صفا الودّ، وخلصت النية، وتواطأت القلوب على النصرة، نشأ من الإخاء تعاونٌ يقوّي العزم، ومحبةٌ تُرى في المواقف، ويقوم بها المرء مقامًا لا يقومه وحده؛ فجهدُ الإنسان لا يكتمل إلا بظهيرٍ يشدّ عضده، ويقوّي جانبه، كما يشدّ البنيان بعضه بعضًا، وهل تقوى اليدُ إلا بمعصمها، وينهض الطائرُ إلا بجناحين.

    والتآخي قيمةٌ إنسانيةٌ مشتركة بين الثقافات والحضارات على اختلاف ألسنتها؛ فلا تكاد حضارةٌ تخلو من الحثّ على الاخاء وحسن الرفقة وصدق الصحبة. وهي تُجمع على أن الصديق الحقّ هو من يظهر في الشدة، ويبقى نقيًّا بعيدًا عن المصالح، ويشدّ أزر صاحبه، ويقرّب المسافات، ويشاركه الروح قبل الجسد. فالإخاء قوة، والصداقة ميزان مروءة، والمرء بإخوانه كثير؛ فالإنسانية في أصلها تدرك أن الإنسان اجتماعي بأصله لا يكتمل إلا بمن يُكمّله، ولا ينهض إلا بمن يُسنده.

    وقد عجبتُ وتعجبون من أناسٍ همُّهم قطعُ أواصر الإخاء، وتقويضُ أسباب التآخي، والسعيُ في هدم بنيانه؛ يزهدون في أسباب القوة والمنعة للفرد والأمة، ويُصِمُّون آذانهم عن قولِ كلِّ مخلصٍ ناصح، ويتبعون كلَّ ناعقٍ فاضح. يُروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قوله: (أعجزُ الناس من عجز عن اكتساب الإخوان، وأعجزُ منه من ضيَّع من ظفر به منهم). والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

  • الطبيعة العذراء.

    ابتعدتُ بضعة أيام عن الرياض وصخبها وزحامها، وقضيتُ تلك الأيام في جوف الصحراء، في قلب الصمان، بسابسا ليس بها أنيس إلا اليعافير وإلا العيس. والخروج إلى البراري فرصة لالتقاط الأنفاس، والهروب من ثقل المدينة وآفاتها، إلى بساطة الأرض واتساع تخومها، وصفاء السماء وتلألؤ نجومها. واللجوء إلى الفلاة والبراري والقرى والأرياف يبعث في نفسي شعورًا دفينًا، ويثير فيها إلى الماضي حنينًا ؛ فأجد في السير على الرمال وصعود الجبال هدوءًا افتقدته، وتغمرني طمأنينة لا أكاد أجدها في المدن المزدحمة.
    وصدق من قال: إن النفس يفسدها الزحام؛ فالزحام يولّد الصخب والتلوث، ويعكّر المزاج، ويجلب الكآبة، ويورث التعب والملل. والهواء النقي وحده كفيل بإنعاش الصدر، وتخفيف توتر تراكم من زحام الأيام. وقد ثبت علميًا أن قضاء ساعات في الطبيعة العذراء يخفض ضغط الدم، ويحسن جودة النوم، ويرفع مستوى الفيتامينات التي ينعكس أثرها على المزاج والصحة العامة.
    أما المشي على الرمال، وبين الشعاب، وصعود الآكام والظراب، فيحرك عضلات لا تتحرك في خمول المدينة وكسلها، ويعيد للجسد مرونته الطبيعية. وأجمل ما في الرحلات البرية بساطتها وبعدها عن التكلف في كل تفاصيلها؛ فبعد يومين أو ثلاثة يشعر المرء كأن روحه غُسلت من التكلف والتزلف، واستعاد جسده نشاطه، وصفا ذهنه، وأصبح أكثر تركيزًا وترتيبًا.
    فسافروا وتنقلوا رحمكم الله، وابتعدوا عن سأم الإقامة، ومثافنة النسوان، وملاحاة الخدم والصبيان؛ فإن في ذلك تشويشًا على الأذهان، ومساسًا بصحة الأبدان.
    إِنِّي رَأَيْتُ وُقُوفَ الْمَاءِ يُفْسِدُهُ * إِنْ سَاحَ طَابَ وَإِنْ لَمْ يَجْرِ لَمْ يَطِبِ.